امتزاج العوالم.. عن سجن كبير سماؤه دون قضبان

أبعد وجهي الملتصق بزجاج النافذة ببطء. خليط عجيب من المشاعر أو من عدمها. لا أعلم بما أشعر أو إن كنت أشعر من الأساس. ينتج عن هذه الحالة حيرة عجيبة.

أنظر مرة أخرى إلى موقف السيارات أسفل بنايتنا. إلى حفنة الأشخاص التي تدور بداخله مشيًا، يتجاذبون أطراف الحديث وينظرون من آن لآخر في ساعاتهم راجين ألا يكون وقت الحظر قد اقترب. يحركون أجسادهم في الساعات المسموحة قبل التزام البيوت الإجباري.

تجتذبني دوامة من الذكريات تتداخل مع المشهد الذي أراه. ترتسم قضبان حديدية بالعرض والطول على امتداد الموقف وعلى ارتفاع أربعة أمتار أو أقل قليلًا. لا يزال الجيران يدورون غير منتبهين لتقييد سقفهم، وتبدأ ملابسهم في التلون بالأزرق الكحلي الباهت شيئًا فشيء. تختفي السيارات من حواف المشهد وتظهر أحبال الغسيل ومنظره البائس متراكمًا بامتداد المكان طولًا وعرضًا. أبيض وأزرق.. أبيض وأزرق.

أرى شخصًا مستلقيًا وسط كل هذا كأنه في عالم آخر. يدور حوله الناس ويتحدثون بصوتٍ عالٍ، ناظرين بين الفينة والأخرى لساعاتهم خشية انتهاء ساعات التريض النادرة. أراه وكأنه في عالم آخر، وكأنه يرفض أن يتقبل أنه هنا. بينهم. منهم. يتأمل القضبان بإمعان. يفكر بعمق. وإذ فجأة تلتقي عيناي بعينيه. يحدق غير مصدق، ثم يبتسم بحزنٍ بائس ويهز رأسه.

فى لحظة تتبدل الأماكن. 

أنا الولد المستلقي على ظهري الآن. أرتدى الأزرق الكحلي الباهت. محكوم عليه بخمسة عشر عامًا من السجن المشدد. أتأمل القضبان المحددة لسقفي. وأتساءل إن كنت سأرى السماء يومًا بلا قضبان مرة أخرى. أتخيل يومًا يتحقق فيه ذلك. أتخيل وأرغم عقلي على أن يرى. وللحظة تتجلى لي نسخة مني، وراء نافذة، تُلصق وجهها بها وتراقبني. تلتقي عيوننا وأفاجأ بقوة الخيال، ثم أبتسم و أهز رأسي ساخرًا.. الأمل خطير.

أهز رأسي وأفيق من الرؤيا. أجلس على سريري وأستلقي. اليوم أول أيام الأسبوع الثالث من الحجر المنزلي الذي فرضناه على أنفسنا تمسكًا بالأمل في النجاة. أفكر في هذه الرؤى التي باتت تنتابني كل يوم مع التحول التدريجي المبهر للكوكب إلى سجن كبير. وكأن حياتي بالداخل غضبت عندما حاولت تجاهلها وعدم التفكير بها، فأبت إلا أن تلاحقني بحذافيرها.

كانت الذكرى بالأمس أقوى وبها قدر من الجمال. كنت أقف في شرفة بيتنا أنظر للسماء قليلًا بلا قضبان عندما بدأ شاب في إحدى الشرفات بالشدو بصوت عذب لأغنية. خلال دقائق كانت جميع الشرفات تمتلئ تدريجيًا بسكان بيوتها مستمعين، ما بين مندهش ومتعجب. وما هي إلا دقائق أخرى وبدأ البعض في مشاركة الشاب غناء المقاطع المشهورة التي يحفظونها. يتمايلون و كأنهم -للحظات- ارتبطوا بخيط خفي من الطاقة.

راقبت الباب المصفح يهبط بصوت عالٍ أمام الشاب والجدران تتجسد، حتى لم يبق إلا وجهه من وراء شبك «نظارة» الزنزانة، واقفًا على أطراف أصابعه ليصل فمه لمنتصف النظارة فيسمع الجمهور العريض الذي يقف نفس الوقفة ملصقًا آذانه بالشبك بدلًا من شفتيه. أقف على أطراف أصابعي أيضًا وأمامي وخلفي عدد من زملائي ملتصقين لتكفي آذاننا كلنا النظارة الضيقة. الشاب هو ياسين. يصدح بإحدى أغاني الشيخ إمام التي تعلو بأرواحنا للسماء. صوته يرج العنبر شدوًا، وأصواتنا تتداخل معه في الخلفية.

«واطلق كلابك فى الشوارع.. واقفل زنازينك علينا..»

نتمايل في طرب وننقر على الأبواب. كلنا نجتمع في هذا السجن شهري الامتحانات من كل عام. طلبة من كل أنحاء السجون. وكأننا في رحلة.

نستعد للجزء المفضل من الفقرة، والذي يعلمه ياسين جيدًا فيعلو بصوته ويعيده مرارًا:

«عمال وفلاحين وطلبة.. دقت ساعتنا وابتدينا»

يرتج العنبر بأكمله ارتجاجًا عند كلمة «طلبة»، مع الدقة الجماعية لكل زنازين العنبر على الأبواب في لحظة واحدة تهوى فيها أكفنا على حديده البارد، صارخين بالكلمة سويًا مع ياسين بعلو صوتنا. يملؤنا الأدرينالين في تلك اللحظة المختلطة بالبؤس والجمال. لحظة نؤمن فيها -ولو لوقت مرورها فقط- أن هناك أملًا ما.

أحرك أصابعي على لوحة حاسبي المحمول فتنزل الشاشة وتنزل، مفصحة عن ألوان من حفلات الحجر المنزلي، لأهل اجتمعوا وقرروا كسر الملل، أو مجموعة أصدقاء اخترعوا لعبة عجيبة ليقضوا بها الوقت. في لحظة أرانا على الشاشة نحاول الهروب من الزنازين ودخول الزنزانة التي حددناها مسبقًا لسهرة اليوم، أحيانًا متخفين من وراء السجان، وأحيانًا برشوته لكي لا يبلغ عنّا. نجتمع قبل انتهاء التريض فينغلق الباب علينا. نضحك ونتبادل مغامراتنا في التسلل والهرب حتى تمكنا من الوصول لموقع الحفل. 

يبدأ الإعداد للسهرة فنخرج العلب البلاستيكية ونقلبها على أفواهها لتقوم بدور «الطبلة». نجلس في دائرة واسعة على قدر مساحة الزنزانة محاولين إجبارها على الاتساع لجميعنا. يبدأ الموهوبون أولًا وتباعًا بفقرات تقطر جمالًا، فنتمايل على لحن أغنية كلاسيكية مرة، و نردد كلمات أغنية نحبها جميعًا مرة أخرى، وتقشعر أبداننا مع كلمات قصائد الشعراء سواء من المشاهير أو من زملائنا. نشعر بطاقة الحب التي تملأ المكان. نعانقها وتعانقنا.

يتحول الجميع بعد بضع ساعات إلى أغاني أسرع إيقاعًا و أكثر جماعية، حتى ينتهي الأمر بالجميع ضاجين بالضحك يرقصون ويكسرون العلب البلاستيكية من شدة الطرق عليها.

نجتمع للفجر أنا وأيمن وياسين وعلي في جولات «الاستيميشن» بالأوراق التي مرت بأعجوبة في الزيارة بعد أن ضبطوها مرتين متتاليتين. نضحك ونلعب. نعيش اليوم لآخر لحظاته. هو يوم. لا نعلم متى سيتكرر. لا نعلم إن كان سيتكرر. لا نعلم من منا لن يكون هنا في القادم من الأيام والشهور والسنين. لا نعلم. فنتمسك باللحظة ونحياها لآخرها.

لا أدري إن كان الأمر مضحكًا أم مؤلمًا. لا أدري بما أشعر. لا أدري من أشارك، فلا أحد يرى الأمور كما أرى. يظنون أنهم يخترعون أفكارًا جديدة أو يأتون بما لم يأتِ به أحد من قبل، و قد أهلكتنا هذه الأفكار بالداخل إهلاكًا حتى رحل معظمنا ومَل من بقى وفقدت الأشياء طعمها مع مرور السنين.

أراقب العالم يتحول لسجن من حولي، وأتذكر كلمات كل من سبقنا بالخروج وهو يرسل لنا ليخفف عنا قائلًا إن الحياة بالخارج ما هي إلا سجن آخر كبير، ربما يكون أكثر راحة، أكثر إلهاءً، والأهم من كل شيء فهو به الأحباب. ولكنه سجن في سياقه الخارجي لا التفاصيل. ربما كانوا يسبكون المجاز لمجرد مواساتنا. ولكن الآن وللمرة الأولى، فالحياة بالخارج تتحول تدريجيًا إلى سجن كبير حرفيًا.

هل أشعر بالألم لأنه يبدو أن قدري أن أُسجن دومًا؟ أم بالراحة لأن العالم أجمع سيذوق جزءًا بسيطًا مما يمر به من بالداخل، فربما يشعرون لثانية بمعنى السجن؟

أخرج رأسي من نافذة غرفتي وأرفعه لأعلى وأتنهد: على الأقل، فهذا السجن سماؤه بلا قضبان.

اعلان
 
 
عبد الرحمن الجندي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن